أحمد بن علي الرازي

116

شرح بدء الأمالي

أي ليكونوا عبادا لي هم كانوا عبادا له . وهذا هو المنقول عن أئمة التفسير ، وعلى تأويل العبادة تتخط [ 66 ] الصبيان والمجانين ، وتأويل الآخر إلا ليعبدون أي إلا ليوحدون ولا أمرهم بالعبادة فذكر الله التوحيد والعبادة ولم يذكر التفويض والجبر ، وعلى هذا التأويل لا يقلق للمخالف بها وقال الله تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ [ البينة : 5 ] . أي ليوحدوا الله تعالى ، فأمر التوحيد والعبادة بالإخلاص ، فأمر الكافر بالإيمان ليؤمن بالله ، ونهى عن الكفر لينتهى عنه . فأوجب الإيمان عليه وحرم الكفر فيترك الإيمان الواجب ، ويقدر الكفر المنهى فيستحق بذلك العقاب ، فيستحق بذلك عمله أنه يترك الإيمان الواجب ، ويرتكب الكفر المحظور ، فيصير بذلك أهلا للتخليد في النار ، فيستحق بذلك عملا ، فإذا كل ذلك لتحقيق عمله وإرادته . والعبد لا يصير مجبورا بعلم الله في الأزل وإن كان لا يمكنه الخروج من إرادة الله تعالى ؛ لأن الله تعالى أراد منه الأفعال الاختيارية من الإيمان والكفر ؛ ليستحق به الثواب والعقاب لا الإيمان والكفر جبرا . والجبر على نوعين : جبر من الإجبار ، وجبر من الجبروت ، فالإجبار يزيل الأفعال ، والجبروت يزيل الاستغناء . والعبد ليس بمجبور إجبارا يزيل الفعل ، بل هو مختار في الفعل تحت الجبروت [ 67 ] ومفتقر إلى الله تعالى بورود التوفيق ، ووجود الاستطاعة من جهة تخليق الأفعال ، ومهما حصلت الأفعال بتخليق الله تعالى فهو في استعمالها غير مجبور ، بل هو مختار في استعمالها ؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعطى له التمييز متولدا من العقل والفهم والذهن ليس كشجرة تخرجها الريح ، تسخير من غير تمييز كالسحاب والشمس والقمر وسائر المسخرات ؛ لأن العبد مأمور منهى ، والمجبورات غير مأمورات ولا منهيات ، والعبد مثاب ومعاقب ، والمسخرات لا ثواب ولا عقاب . ثبت أن العبد غير مجبور إجبارا يزيل الفعل ، وليس بمستغن يقدر على الإيجاد ؛ لأنه